خليل الصفدي

88

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

وحسن سيرته ؛ فاتفق أن نقم عليه ابن جهور فحبسه واستعطفه ابن زيدون بفنون النظم والنثر ، من ذلك رسالته التي أولها : يا مولاي وسيدي الذي ودادي له واعتمادي عليه واعتدادي به . ومنها : إن سلبتني - أعزك اللّه - لباس إنعامك ، وعطّلتني من حلي إيناسك ، وأظمأتني إلى برد إسعافك ، وغضضت عني طرف حمايتك ، بعد أن نظر الأعمى إلى تأميلي فيك ، وأحسّ الجماد باستحمادي لك ، وسمع الأصم ثنائي عليك ، ولا غرو « 1 » ، فقد يغص بالماء شاربه ، ويقتل الدواء المستشفي به ، ويؤتى الحذر من مأمنه ، وتكون منية المتمني في أمنيته ، والحين قد يسبق جهد الحريص . كلّ المصائب قد تمرّ على الفتى * وتهون غير شماتة الحساد إني لأتجلّد ، وأرى الحاسدين « 2 » أني لا أتضعضع ، وأقول : هل أنا إلّا يد أدماها سوارها ، وجبين عض به إكليله ، ومشرفي ألصقه بالأرض صاقله ، وسمهريّ عرضه على النار مثقفه ، وعبد ذهب فيه سيده مذهب الذي يقول : فقسا ليزجره ومن يك حازما * فليقس أحيانا على من يرحم منها : حنانيك بلغ السيل الزّبى ، ونالني ما حسبي به وكفى ؛ وما أراني إلّا لو أمرت بالسجود لآدم فأبيت واستكبرت ، وقال لي نوح ارْكَبْ مَعَنا فقلت سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ « 3 » وأمرت ببناء الصرح لعلّي أطّلع إلى إله موسى ، وعكفت على العجل ، واعتديت في السبت ، وتعاطيت فعقرت الناقة ، وشربت من النهر الذي ابتلي به جنود طالوت ، وقدّمت الفيل لأبرهة « 4 » ، وعاهدت قريشا على ما في الصحيفة ، وتأولت في بيعة العقبة ، ونفرت إلى العير ببدر ، واعتزلت بثلث الناس يوم أحد ، وتخلفت

--> ( 1 ) ولا غرو : سقطت من ت . ( 2 ) ط : للحاسدين . ( 3 ) هود : 43 . ( 4 ) الذخيرة : وقلدت لأبرهة الفيل .